وصف اللوحة (أ)
تتضمن هذه
اللوحة تركيبة دائرية لنص الآية المذكورة، تبدأ قراءة النص من الجانب الأيمن من
الجهة السفلى للتركيب. تم توزيع الحروف والكلمات على نظام تعدد أسطر الكتابة
مع توظيف العلامات الإعرابية والتزيينية لملء الفضاءات الداخلية المتحققة بين
الحروف والكلمات؛ لتحقيق الإغلاق الشكلي الدائري للتركيب فضلاً عن استثمار توقيع
الخطاط وسنة كتابة المخطوط لذلك أيضاً.
ويمكن
ملاحظة الإتقان الفائق في هذه اللوحة لقواعد الخط وإعطاء كل حرف حقه من الانتصاب
في (الألفات) الصاعدة، والتسطيح كحرف (التاء) في كلمت (عزمت)، والإرسال المعكوس
في الألف المقصورة (على). كل تلك المعاني تدل على حسن الأداء وبراعة القياس
المتمثلة بتطابق الأجزاء المكررة للحروف كحرف (العين) وحرف الفاء وتراويس الألف
المتشابهة.
أما من حيث
توزيع المفردات الخطية (الحروف والكلمات والمقاطع )؛ فتم توزيعها على قواعد
التصميم المنطلقة من التوازن الذي تبلور في طريقة توزيع العلامات الإعرابية
وتخللها في أجزاء التركيب لملء الفضاءات، وإحداث نوع من التنوع والتباين مع
الحروف؛ وذلك عن طريق الحجم بينها وبين حجم حروف التركيب. إذ استثمر الخطاط
خصائص الثلث من خلال التراكيب للحروف والكلمات بعضها مع بعضها الآخر لاستحداث
هيئة مبتكرة وتوظيف المدات الأفقية والعمودية الصاعدة للمحافظة على الترتيب
المكاني والزماني للكلمات من خلال جعل كلمة (عزمت) قاعدة لانطلاق معنى الآية
لتأتي بعدها كلمة (فتوكل) واستقرار لفظة الجلالة في أعلى التركيب لما تحمله من
دلالة قدسية. كل تلك الاعتبارات أتت من روح الخطاط وما يعبر عن ذاته لتحقيق
عمل خطي ذي نتاج وظيفي وجمالي رائع.
وصف اللوحة (ب)
تتضمن هذا
اللوحة تركيبة دائرية للآية المذكورة نفسها للخطاط حامد الآمدي، وأبرز ما يمكن ملاحظته في هذه
التركيبة الإجادة الفائقة لقواعد الحروف فهي أروع ما تكون من حيث الإتقان
والدقة .
أما من حيث
تصميم هذه اللوحة، فعلى الرغم من أنه دائري كاللوحة (أ)، ويحمل نفس النص لكنه
يختلف من الناحية التصميمية جذريا عنها، إذ نلاحظ هندسة تصميمية بديعة
في طريقة توزيع الحروف والكلمات، وتناسق بعضها مع بعض بصورة عالية من دون
الإكثار من العلامات التزيينية في المحافظة على تحقيق الإغلاق الشكلي للتركيب.
فإمكانية الخطاط التصميمية أعطته قدرة الموازنة الفائقة في استقرار الكلمات
والحروف، فقراءة التركيبة تبدأ من (فإذا عزمت) التي استقرت في أسفل التركيب
ويليها كلمة (فتوكل ) والتي استقرت فوق كلمة (عزمت) بشكل منتظم جداً، أما كلمة
(على) فقد وظفها الخطاط على ربط أجزاء التركيب بصورة واضحة من خلال امتدادها من
الجانب الأيسر إلى الجانب الأيمن بصورة مستقيمة؛ لتعمل على موازنة نصفي التركيب
العلوي والسفلي لاسيما عند التقائها أو تقاطعها في وسط التركيب عند حرف الألف
لتقسم التركيب إلى أربعة أجزاء متوازنة بنقطة مركزية، أي وسط العمل؛ وذلك لإحداث
موازنة كبيرة بين الحروف الصاعدة (الألف واللام) على طرفي المحور المركزي لحرف
(الألف) للفظة الجلالة.
إن
الهدف من
تحليل هذين النموذجين المتطابقين من حيث النص والشكل الهندسي الدائري ولخطاطين
معاصرين من حيث الزمن. وبعد هذه القراءة يمكننا أن نستنتج بعض الملاحظات التي يمكن عدها
خلاصة لنتاج فني سابق أي (مدرسة إذا صح التعبير) من حيث توزيع المفردات
الخطية نفسها في تركيبة دائرية أي تصميم تلك المفردات داخل بنية خطية مبتكرة:
1- من
حيث القاعدة الخطية نجد رشاقة حروف اللوحة (ب) عن اللوحة (أ).
2- استقرار لفظة الجلالة
(الله) على السطر في اللوحة (أ) بشكل مائل (ومفروك) إلى الجانب
الأيسر عن اللوحة (ب).
3- استلقاء حرف الياء ونزولها من (الألف اللام) (الصاعدة) كل حسب ما يراه مناسباً
ففي اللوحة (أ) تنزل بصورة مائلة تتوازن مع حرف (العين) الأولى عكس اللوحة (ب)
.
تحليل
اللوحتين
عندما نقسم
الشكل الدائري إلى أربعة أقسام متساوية نجد إن اللوحة (ب) قد اعتمد الخطاط فيها
المقومات البنائية لحروف الثلث من خلال طريقة توزيعه للكتل الخطية على أقسام
الدائرة الأربعة بشكل متساو. فضلاً عن حسابه لطريقة توزيعه (الألفات) الصاعدة
وجعلها بشكل متساو على مساحة التركيب بالنحو الأتي: (الآلفات في جهة اليسار)
يقابلها (ألفات في جهة اليمين) ويتوسط الدائرة (ألف) واحد ليقسمها إلى نصفين
متساويين نسبياً، ومن ثم تأتي سحبة (الياء) المركبة الراجعة إلى اليمين لتنصف
الدائرة أفقياً وتصبح الدائرة أربعة مراكز تم توزيع المفردات الخطية بشكل فني
ومتوازن شكلياً. فإذا قسمنا ما ذكر على اللوحة (أ) نلاحظ تكتل الحروف والكلمات
في الجانب الأيمن فلجأ الخطاط إلى الإكثار من العلامات الإعرابية والتزيينية
على الجانب المقابل لخلق موازنة شكلية على طرفي المحور هذا من جانب ومن الجانب
الآخر هناك غموض في قراءة النص فبداية النص غير واضحة وذلك خلافا للاندماج
الحاصل بين كلمتي (فإذا) و (عزمت) بشكل غير منسق فالمقطع (فا) يعلو ويتابع مع
ما بعده المقطع (عز) عن جزئه المكمل له (مت) سبب غموض أكثر وزاد على الإشكال
وجود النقطة الدائرية فوق حرف (العين) وليس فوق حرف (الزاي) مما أدى إلى تعقد
في قراءة النص بصورة أكثر من السابق.
أما من حيث
الاختلاف الأسلوبي لميزان الخط، فيمكن ملاحظة اختلافات فنية في طريقة رسم الحروف
ويتضح ذلك عندما نرسم خطاً مستقيماً تحت كلمة لفظ الجلالة (الله) للشكلين فيمكن
ملاحظة ميلان الكلمة في اللوحة (أ) بزاوية (10درجة) إلى جهة اليسار، وتم إشباع رسم حروفها في الكتابة وإعطاء كل حرف حقه من صدر القلم وإتمام أذناب الحروف، أما
اللوحة (ب) فيمكن ملاحظة استقرار الكلمة على سطر الكتابة بدرجة مستقيمة وبزاوية
مستقيمة (180درجة) وبحروف رشيقة تختلف رشاقتها عن اللوحة (أ).
وبرسم خط
مستقيم آخر تحت كلمة (على) يمكن ملاحظة نزول بداية حرف الياء المركبة الراجعة
إلى اليمين للوحة (أ) يتكون فضاء مقداره (نقطة واحدة ) بنفس قلم الكتابة
المستخدم في التركيب. ولكن عندما نكرر نفس الخط الوهمي على اللوحة (ب) يتكون
لنا فضاء يقدر بأكثر من نقطتين، وفي مرتكز آخر في البياضات التي تتخلل الفتحات
الموجودة في رأس حرف (الواو والفاء والميم) في اللوحة (أ) اصغر مما موجود في
اللوحة (ب)، وكذلك اختلاف طريقة إشباع أذناب الحروف المرسلة (الواو) والمركبة المدغمة (الزاء) حقها من صدر القلم حتى
تتساوى به. ففي اللوحة (ب) تم
استئصالها والاكتفاء بذنب ذي نهاية رفيعة شعرية ترسم برأس السن الأيمن لقلم
الكتابة. إن تلك المؤشرات أو المرتكزات تعد من الجوانب والاتجاهات المهمة في
الجانب العملي التطبيقي لرسم حروف الثلث فالهدف من الإشارة إليها هو بيان الفرق
الفني لرسم الحروف من خطاط لمدرسة إلى خطاط آخر ومدرسة أخرى.
يتضح من
وصف وتحليل اللوحتين إمكانية حروف الثلث وقابليتها للتشكل، مما يعطي الخطاط حرية التصرف
بطريقة رسم الحرف من الجانب الفني وإخراجها بهيئات يمكن أن نعدها هوية للمدرسة
أو الخطاط الذي يملك الإجادة الفنية التامة لحروف خط الثلث، ويمكن أن نعد كل تلك
الجوانب والمرتكزات من الخواص الفنية لخط الثلث التي أهلته بهذه الجوانب
والصفات .