وقد تفنن الخطاطون العرب في كتابة الخط الكوفي
ونمقوه بالذيول والنقط حتى أصبح تحفة فنية ذات
روعة وجمال، واستخدم العرب مثل هذه الخطوط الفنية
الرائعة للزخرفة والتزيين، وبلغ الخطاطون الفنيون
منزلة عالية لم يصلها أي فنان آخر في ديار
الإسلام؛ من أشهرهم الريحاني ـ ابن البواب ـ ياقوت
المستعصمي وغيرهم.
وذكر "أبو حيان التوحيدي"
في رسالته (علم الكتابة): "إن قواعد الخط الكوفي –أنواعه- في زمنه اثنتي عشر
قاعدة هي: الإسماعيلي، المكي، المدني، الأندلسي، العراقي، الشامي، العباسي،
البغدادي، المشعب، الريحان، المجود، المصري". ثم أضيفت إليها فيما بعد أسماء
أخرى. وكل هذه التسميات تسميات إقليمية ليس بينها فروق خصائص، وكلها فروق
تمييزية لأسماء الأقاليم الخاصة بها.
وإذا تتبعنا تطور الكتابة
الكوفية في مصر، خاصة الموجودة على الآثار الإسلامية منذ العصر العربي حتى
نهاية عصر المماليك؛ نشاهد تطوراً في شكل الحروف وزخرفتها.
ففي العصر الطولوني وماقبله
استخدم الخط الكوفي البسيط الخالي من التواريق، ويلاحظ ذلك في اللوحة التذكارية
لتاريخ إفتتاح المسجد الطولوني ومحرابه.
أما في العصر الفاطمي فقد
ظهرت نماذج رائعة من الخط الكوفي غنية بزخارفها النباتية والذي عرف (بالخط
الكوفي المورق أو المشجر) لاعتمادها على التزيين التوريقي، فتارة تخرج من أطراف
الحروف سيقان نباتات ذات الأوراق الصغيرة، وتارة تكون الكتابات على أرضية
تكسوها الزخارف النباتية، وقد تكون تلك الكتابات تاريخية أو آيات من القرآن
الكريم.
وتشاهد الكتابات الكوفية
الفاطمية الجميلة على آثار تلك الفترة مثل الجامع الأزهر ومسجد الحاكم والأقمر
والصالح طلائع وباب النصر وباب الفتوح خاصة على المحاريب والعقود ومربع القباب.
واستمر استعمال الخط الكوفي
المشجر في العصر الأيوبي في كتابة الآيات القرآنية فقط فوق العناصر المعمارية
الجصية التي أنشئت في ذلك العصر، مثل: المدرسة الناصرية والكاملية والصالحية
وضريح الإمام الشافعي. أما في العصر المملوكي فقد تأثر الخط الكوفي بالأساليب
الفنية الزخرفية التي كانت متبعة في العصور السابقة، ولكن هذه الأساليب تطورت،
حيث برزت رشاقة الحروف وتناسق أجزاءها وتزيين سيقانها ورؤسها ومداتها وأقواسها
بالفروع النباتية والأزهار، كما تم زخرفة أرضياتها بتكوينات زخرفية متنوعة،
وهذا ما نشاهده في آثار هذا العصر ومنتجاته الفنية الذي يعتبر العصر الذهبي
للعمارة والفنون الإسلامية في مصر، مثل: مسجد الظاهر بيبرس، ومسجد السلطان
الغوري، ومسجد السلطان حسن، ومسجد الأقمر، والصالح طلائع، ومدرسة السلطان
برقوق، والكثير من الأسبلة، كما نلمس عند دراسة الخط الكوفي على آثارهم وحرفهم
دقة وسلامة الذوق، وسعة الخيال في إبداع كتابته المتداخلة الجميلة 