|
الخط. تصوف
*كيف يتم اختيار الموضوع
الذي تود كتابته، وما هي
المواد التي تستخدمها
لتحقيق ذلك؟
ليس هناك طريقة محددة،
فكل لوحة كتبتها هي حالة
قائمة بذاتها، والخطاط
يتأمل في هذا الكون،
ويتفاعل معه سلباً
وإيجاباً - شأنه شأن بقية
خلق الله - فتراه يمر
بحالات نفسية عديدة
متشابكة. حالات من الفرح
الغامر أو الحزن المطبق،
أو الانفراج أو الهمّ، أو
الانبهار بجمال ما يمر
أمام ناظريه، أو الإمتاع
الروحي الذي يطرق أذنيه
من خلال عمل فني موسيقي
مدهش. فيتأمل ويتأمل
ويتأمل، ثم يستخرج من
مخزون حافظته الأدبية
(نثراً وشعراً) ما يسعفه
على التعبير عن تلك
الحالة التي يمر بها،
فيترجمها جرّة بالمداد.
تتحول بعد التهذيب
والتنميق إلى لوحة
متكاملة. أما الأدوات
المستخدمة فهي أدوات
الخطاط المعروفة (الورق
والقصب والمداد).
*عندما تكتب اللوحة هل
تعمل لها "كروكي" مسبقاً
(تخطيط أولي) أم أنك
تباشر فوراً بالكتابة
بالحبر؟
- أنا من أنصار التسويد
والتجريب قبل التحبير، مع
أنني متمكن من ارتجال
الخطوط جميعها، ولكن حرصي
على إحراز السوّية الأعلى
يجعلني أعيد النظر في
اللوحة مراراً قبل
التنفيذ. ومن منا لا يعرف
أنّ (السرعة والإتقان
ضدان لا يتفقان). إذا زاد
علم المرء زاد حكّه، وإن
يكتب في ساعة يسرّ العين
ساعة.
أما ما يخط بشرايين
القلوب. واحمرار العيون.
وانحناءات الظهور. طريفاً
خالصاً إلى الله. فذاك
الذي لا تبلى جدّته ولا
تفنى روعته، وكلما زدته
نظراً زادك أنساً
وإمتاعاً.
*تشتهر لوحتك الخطية
بجمالية التكوين فيها.
فكيف تتم دراسة التكوين
في اللوحة الخطية، وعلى
ماذا تعتمد؟
كما أسلفت فإن جمال
التوزيع والتكوين هو أحد
بنود اللوحة الخطية، وإن
الوصول إلى هذا الجمال
أمر بالغ المشقة على
الأغلب. إذ ليس من السهل
إحراز التناغم بين السواد
والبياض في اللوحة مع
المحافظة على مقاييس
الحروف الذهبية ومراعاة
تسلسل القراءة الإملائي
الصحيح. وإن الوصول إلى
التكوين المثالي يستغرق
وقتاً قد يطول، وقد يقصر،
وذلك بحسب حالة الإشراق
والإلهام التي يمر بها
الخطاط، فإذا انحسر هذا
الإشراق رافق العمل بعض
العسر وعدم التوفيق،
والعكس صحيح. وإن لدي
مسودات قد مضى عليها
سنوات دون أن ترى النور
بسبب عدم الرضا الكامل عن
جمال التوزيع وصحة
الترتيب فيها!!
وبالمقابل. هناك أعمال
وصلت بها إلى التركيب
القوي النموذجي من
المحاولة الأولى.
* ماذا يعني أن تكون
صوفياً في اللوحة. هل
يعني هذا أنك تتجاوز
شكلانية الحرف لتمضي إلى
الباطن حيث الدلالات
والمعاني؟ وهل يمكن القول
عن لوحة الخط الكلاسيكية
إنها لوحة صوفية أم أن
الأمر ينطبق على اللوحة
الحروفية التشكيلية فقط؟
التصوف هو خلاصة الصدق،
والحرف العربي بحد ذاته
صوفي الملامح. عميق
الدلالات والتأثير. ولا
يأتي التصوف في اللوحة من
شكلها الخارجي فقط. أو من
ألوان مدادها وورقها.
وإنما من عناصرها
(القوية) مجتمعة. وعليه
فإن لوحة الخط الكلاسيكية
(المتقنة المبدعة) هي قمة
في التصوف الحرفي، بصرف
النظر عن شكل التكوين
الخارجي دائرياً كان أو
بيضاوياً أو على السطر.
أو على طريقة التوازن
القلق. أو على الطريقة
الحروفية المعاصرة. الشأن
كله متعلق بقوة اللوحة
الفنية أو ضعفها، ولذلك
فاللوحة الخطية القوية هي
اللوحة الصوفية.
الخط والحاسوب
* كيف تجد وضعية الخط
العربي اليوم، وهل يمكن
للحاسوب أن يشكل تهديداً
حقيقياً للخطاط؟
الخط العربي يعيش اليوم
حالة من الانتعاش لم يشهد
لها مثيلاً في تاريخه
كله، والمسابقات الدولية
التي بدأت من عام 1986
أفرزت أقلاماً قوية جديرة
بالاحترام. وهناك تلامذة
كثر لهم في أرجاء
المعمورة ينهلون منهم (
عياناً ومراسلة). ملتقيات
الخط ومهرجاناته لا تهدأ
في العواصم والمدن
العربية والإسلامية:
"إستانبول، طهران،
الشارقة، بغداد، دبي،
كاظمة، بيروت، طرابلس،
دمشق، حلب، الرقة.". وهو
مما يثلج الصدر، ويبعث
الأمل بنهضة خطية كبيرة
على المدى المنظور إن شاء
الله.
وأما بالنسبة لتأثير
(الحاسوب ) فهذا تقدم
علمي مبهر لا يمكن
إنكاره، ولست أرى أي خطر
منه على فن الخط العربي
إذا أحسن استخدام
التقنيات والإمكانات التي
يتمتع بها. فهو يساعد
مثلاً في صنع الخلفيات
والظلال للخطوط المكتوبة
على أغلفة الكتب، كما
يساهم في تجميل الكادر
الذي يحيط باللوحة
الخطية. إلخ، أما أن يكتب
الخط نفسه عن طريق
الحاسوب فهذا هو الخطأ
الذي لا يغتفر، وهو يسيء
بشكل بالغ إلى جمال الخط
العربي ورفعته.
* كيف ينظر الخطاط
الكلاسيكي إلى استخدام
الفنانين التشكيليين
المعاصرين وحدات من الفن
الإسلامي أو الخط العربي
في أعمالهم الفنية؟
لقد اطلعت على كثير من
تلك المحاولات فوجدت
الركاكة والضعف الفني
يغلف معظمها، ورأيتها
بعيدة عن النضج والتبلور.
وبرغم ذلك فهي تجربة
جديدة على كل حال، وإن
استخدام الحرف العربي من
قبل التشكيليين شرف كبير
لهم ولأعمالهم، وعودة
محمودة منهم إلى جذورهم
العربية على الأقل، بدل
التخبط ذات اليمين وذات
الشمال الذي مارسوه عقودا
طويلة من جراء تبعيتهم
العمياء للغرب.
بما أنك أديب ولديك
كتابات نثرية ومنظومات
شعرية، وتملك صوتاً
رخيماً ومعرفة بالمقامات
الموسيقية وطرائق الإنشاد
الديني. فهل لك أن تحدثنا
عن العلاقة التي تربط بين
الأدب والموسيقى والخط
العربي؟
(الإمتاع والمؤانسة) هما
الهدف المشترك بين الفنون
والآداب جميعها، وكأنّ
هذه الفنون - على
اختلافها ظاهراً وتوحّدها
باطناً - تتنافس فيما
بينها لإحراز أكبر قدر من
الجمال المطلق. ولن تصل
إليه بطبيعة الحال. لأن
كلّ ما هو مطلق هو من
صفات الله جلّ وعلا (رفعت
الأقلام وجفت الصحف).
ولكنها تصل إلى الجمال
النسبيّ (الاصطلاحيّ)
المشوب بالنقص والكدر،
ولا يتفاوت المبدعون فيما
بينهم إلا بمقدار وجود
نسبة هذا النقص في
أعمالهم - انخفاضاً أو
ارتفاعاً - أو يتفاوتون
بالقدرة على تجميل
النقائص والعيوب وممارسة
ما يسمّى (خداع النظر
والسمع) في محاولة صرف
الانتباه عنها. وهذا
يفسّر قول الأدباء
المرموقين وهم يصفون
أعمالهم: "أرجو ممن نظر
إلى عملي أن يسبل ذيل
التستر عليه، وأن يغضّ
الطرف عن عيوبه، فإن
الكريم يصفح، واللئيم
يفضح".
وإذا كان هذا القول وما
يشابهه يدخل في باب
التواضع المحمود الذي عرف
به العلماء الكبار. فإنه
في الوقت نفسه وصف دقيق
لحقيقة الحال. ذلك أن
العالم المبدع - أديباً
كان أو موسيقياً أو
خطاطاً - يدفعه طموحه
المتقد ونفسه الوثابة
وهمته العالية إلى تركيز
همه واهتمامه على المنطقة
العلمية الفنية التي لم
يحرزها ولم يسبر أغوارها
بعد، فيرى نفسه مقصراً
أيما تقصير. بينما يراه
الناس محلقاً أيما تحليق.
ولا يلتفت أبدا إلى
الوراء؛ لأن الالتفات من
شأنه أن يذكره بإنجازاته،
فيضيع الوقت الثمين وهو
يستعرضها متلذذاً، وقد
يقع في مطب العجب
والغرور. ومن هنا قال
المتصوفة: (ملتفتٌ لا
يصل). |