مقابلات شخصية

مقابلة أجراها/ عبد الجبار العتابي لموقع إيلاف ...

  أ.د إياد الحسيني/ الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب (2010)

بين الإبداع الفني والأكاديمي

د.أياد الحسيني

الأستاذ الدكتور/ إياد حسين عبد الله - العراق، الفائز بجائزة الشيخ زايد الدولية للكتاب (2010) دكتوراه في فلسفة التصميم، عميد الكلية العلمية للتصميم في مسقط (2010) حالياً، عميد كلية الفنون الجميلة السابق بالانتخاب – جامعة بغداد (2003)، وعضو مجلس جامعة بغداد، رئيس مجلس عمداء كليات الفنون الجميلة في الجامعات العراقية، مستشار رئيس جامعة العلوم – البحرين

أكاديمي وخطاط ورسام ونحات ومصمم حصل على إجازات الخط العربي من الموصل، واستانبول، والقاهرة (1977- 1979)، حصل على جائزة الشيخ زايد الدولية للكتاب – الفنون (2010)، حصل على الجائزة الدولية في المهرجان العالمي لتصميم الملصق لندن- نيويورك- باريس (1984)، وعلى الجائزة الأولى في فن النحت بغداد (1994)، أقام ستة معارض شخصية (1977 – 2002)، وشارك في العديد من المؤتمرات والمعارض الدولية، رئيس اللجنة التحكيمية في مهرجان الشارقة الدولي، أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، ألف ونشر العديد من الكتب: "التكوين الفني للخط العربي"، "فن التصميم في الفلسفة والنظرية والتطبيق"، "الفن الفطري" – دراسة انثربولوجية – مشترك، "المتعالق بين الخط العربي والفن الحديث" – مشترك، "نظرية الجمال في فن التصميم" (2008)، كتب ونشر أكثر من (25) بحثاً علمياً، أنجز العديد من الجداريات والاعمال الفنية.

ماذا تمثل لك جائزة الشيخ زايد الدولية للكتاب (2010)؟

 جائزة الشيخ زايد الدولية للكتاب، أرفع جائزة عالمية محايدة تمنح لكتاب في ميادين المعرفة المختلفة، ولأبرز العلماء والمفكرين العرب والأجانب الذين يقدمون نتاجاً فكرياً جديدا، يشكل إضافة للمعرفة الإنسانية، ويتجاوز عدد المتقدمين إليها سنوياً الألف مشارك، وتخضع الكتب المشاركة إلى لجان تحكيم دولية متعددة وبآليات دقيقة، لاشك أن ذلك يؤشر تقييماً مهماً لنتاجي الفكري والفني لسنين طويلة، والذي اعتبرت خلالها العلم والفن هما رأس مالي، وزادي الوحيد، وبالتالي فأهمية الجائزة كبيرة جداً لحركة الفكر العربي، ولكل المفكرين والأكاديميين والمثقفين في إعادة صدارة المعرفة إلى الحياة، وكسبب جوهري لوجودها.

وعلى الصعيد الشخصي فاني أجد أن الجائزة تحقق أهدافها في رد الاعتبار إلى المبدعين في حقول الفكر والثقافة، وتبقى على نتاجهم مستقلاً يناجي الحقيقة العلمية المجردة التي تضيف إلى المعرفة شيء جديد. وهي دون شك حزمة من نور تجعل المفكر يواصل المسير في ليله البهيم.

  ما المميز في كتابك "فن التصميم" ليحظى بالجائزة؟

يبحث الكتاب بثلاثة مستويات في فن التصميم، (فن المستقبل) وهي الفلسفة والنظرية والتطبيق، -وبثلاثة أجزاء- وفي إحدى الإشكاليات الكبرى في الحياة، وهي علاقة الفكر بالوجود، والوعي بالمادة، كعلاقة متطورة تعبر عن حاجة الإنسان إلى النسق القيمي الذي تنعكس في وعي المجتمعات، على شكل منظومة متكاملة من القيم الروحية والمعرفية والجمالية والأخلاقية، التي تتداول الجمال في كل جوانب الحياة كدليل لانتقال الإنسان من نظام خطابي بسيط إلى آخر أكثر رقياً وجمالاً، لتشتمل على ما تنتجه فنون التصميم اليوم: كالعمارة والصناعة والتصاميم الداخلية والديكور والأثاث والأزياء والأجهزة والأدوات والمجوهرات والطباعة والأوساط الرقمية المتعددة... الخ، ولأجل حل المعادلة التي تجمع بين الفكر والجمال والفائدة. بعد أن أصبحت العلوم والتكنولوجيا والصناعة والإنتاج والتسويق والجدوى ورأس المال تحت مظلة الجمال، وبالتالي لم يعد بالضرورة للتمتع بالجمال الفني رؤية لوحة أو تمثال في متحف، بعد أن غادره الجمال إلى الأسواق والحياة الرحبة، وإنما مشاهدته في كل ما يتداوله الإنسان في حياته اليومية.

وصولاً إلى تأسيس الفلسفة النفعية للجمال من خلال الوظيفة والفائدة والتداول والاستخدام، وتعزيز ذلك من خلال تأسيس نظرية الجمال في فن التصميم بقيمها المتعددة، التقنية والمادية، والنفعية والاتصالية، والحداثوية والمستقبلية، وتحولات نمط التفكير التناظري إلى نمط التفكير الرقمي بفعل ثورة المعلومات والتقنيات، ولم تكن هذه النظرية لتكتسب صدقها إلا بتحويل كل تلك المفاهيم إلى تجربة تطبيقية تدخل في صميم فائدة الإنسان.

وبالتالي وفقاً لقرار اللجنة فإن الكتاب يؤسس لفلسفة جديدة في الفن، وهي: الفلسفة النفعية وفق أربعة مناهج معاصرة وهي البراغماتية، والعلمية المنطقية، والمثالية، والمنهج الطبيعي. كما ويطرح لأول مرة نظرية الجمال في فن التصميم.

  الخط العربي، التصميم، الرسم، النحت، التأليف، وأكاديمي بروفسور، وعميد لكليتي فنون، والتفوق على الصعيد العربي والدولي في هذه الحقول الجمالية والمعرفية والأكاديمية... ماذا يعني كل ذلك؟

 يعني (وكان فضل الله عليك عظيماً) وهو نتيجة طبيعية لإحسان الظن بالله، والتوكل عليه والوثوق به.

ومن ثم فإنه يمثل البحث المستمر عن لغة جديدة للتعبير عن طريق اتخاذ الخطاب الحضاري والجمالي وسيلة للتواصل مع الآخرين، وإيمان راسخ في كون العلم والفن والجمال قادرين على خلق القيم النبيلة التي تبني الحياة والمجتمعات، وهي في الوقت ذاته رد حتمي ضد التخلف والجهل والقبح والهمجية، وعلى مر العصور كانت المعرفة والعلم والجمال شقائق للخير الذي يعمر الحياة والأرض وينشر المحبة والسلام، والطاقة التي منحها الله للإنسان للبناء كبيرة إن أحسن استغلالها، خاصة إذا كانت البيئة ملائمة، وكم هو غريب أن يكون كل نتاجي الفكري والفني كرد فعل على البيئة القاسية التي تحتضن العراق منذ الأزل، إذ اعتدنا أن يكون الإبداع نتاجاً للبيئة وليس رد فعل عليها، ولأن ما ينتجه الفكر من إبداع في العراق وعلى مدى تاريخه الطويل، يسحقه الغزاة والسياسة والجهل بصورة دائمة.

واذكروا نعمة الله عليكم - إياد الحسيني

  ما هو مفهومك للخط العربي كفن تعددت استخداماته وتأويلاته؟

الخط العربي يتجاوز كونه فن عربي إسلامي ذو خصوصيات معينة إلى ظاهرة ومنظومة كبيرة من القيم والمفاهيم الجمالية والمعرفية، وإلى فن يجسد ظاهرة حضارية غرست جذورها عميقا في البيئة والتاريخ عبر الزمان والمكان، وبالتالي فان الفنان هو جزء من هذه المنظومة ياخذ منها ويمنحها الكثير في ذات الوقت، فماذا يمكن أن يأخذ منها وماذا يمكن أن يمنحها؟

لاشك أن الكثير من الملامح الجمالية والمعرفية والفكرية التي يحملها هذا الفن ستكون مصدراً ثرياً لطريقة العمل والتفكير والسلوك، وبالتالي ستكون تلك الثقافة التي يحملها الفنان تتشرب من تلك البيئة كمصدر أساسي للمعرفة وليس المصدر الوحيد، وعبر الخبرة الطويلة سيكون الفنان مهيأ ليمنح ذلك الفن الكثير من الإنتاج الفكري الجديد عبر قدراته الإبداعية وخبرته الطويلة. وعدم الركون إلى الحقائق القائمة هو الوسيلة الوحيدة في عملية التغيير والإبداع بل إلى السعي المضطرد إلى تغيير الحقائق، وبالتالي تحويل الفرائض التي يحملها المبدع إلى حقائق جديدة، وهذا في الحقيقة سنة من سنن التغيير.

ومما يثير في الخط العربي ذلك النظام الدقيق الذي يعبر عن حالة من التناغم الروحي والنفسي والبصري بين كمال المعنى وجمال المبنى في تنوع هائل من التكوينات التي ترسخ كيان الإنسان المعرفي والثقافي والجمالي بوجوده المادي، هذا النسق يجعل من الخطاطين فئة لم تتكرر في تاريخ المعرفة وفي أي شريحة من الشرائح التي تتعامل مع الفكر والفن والإبداع، وهي ظاهرة ليست في المجتمع العربي وإنما في أغلب المجتمعات التي تعاملت مع حروفها.

أما على المستوى التقني فالخط العربي شأنه شأن كل المعارف والفنون يمر في سلسلة من التقنيات، وهو أمر حتمي كنتيجة لتطور جوانب المعرفة التي تؤثر ببعضها والتي تحتم على الإنسان المعاصر التواصل معها كنتاج حضاري في كل زمن، أي إن التعامل مع أدوات العصر أمر لا يمكن الجدال فيه لكيلا نفقد متعة هذا العصر، أما الانتماء إلى الماضي وجعله المرجعية الوحيدة للحياة فهو أمر يجافي الصواب والمنطق والحقيقة.

لوحة تعليق - أياد الحسيني

أي شيء يمكن أن يمنحه المكان والبيئة، وهل إن ما منحته لك مدينة الموصل كمكان لميلادك اثر على نتاجك العام؟

 ما من شك في أن المكان بكل تضاريسه يترك أثره عميقاً في تكوين الفرد، وبالتالي فإن الإنسان هو وليد بيئته والمعبر عنها، ونجد المكان واضحاً في الكثير من نتاجات المبدعين والمفكرين، وكان للموصل بربيعيها غرساً عميقاً على مستوى التفكير والعمل لبيئة ثقافية عريضة، تمتاز بكثير من الجدية والعمل الدؤوب والإتقان والدقة والتواصل وجمهرة كبيرة من العلماء والمبدعين على مدى تاريخها الطويل، ولابد أن يكون لذلك أثراً واضحاً في عملية البناء النفسي والفكري لكل إنسان، وفي الوقت نفسه الاتكال على البيئة وحدها لا يأتي بتلك النتائج دون فعل خلاق من الإنسان، ولكن الانتماء إلى المكان يجعل الإنسان غالباً لصيقاً بالثقافة المحلية الضيقة التي تتعلق بمجتمع خاص ومحدود، وما أشد حاجة الإنسان إلى التعرف إلى كل الثقافات؛ لأن الهم الإنساني هو واحد أينما حللت أو ارتحلت، وهو الوصول إلى جوهر الذات الإنسانية التي كرمها الله - عز وجل- والتعبير عن مكنوناتها الفكرية والجمالية لأجل أن تؤدي فعلها الحضاري، وبالتالي فان الانتماء إلى اللامكان وإلى الإنسان حالة يسعى المبدع لأجل الارتقاء إليها، لأن جوهر قيمة الفكر والإبداع هو جوهر إنساني بعيداً عن كل المسميات والحالات المجتزئة.

  ما أبرز المحطات في مسيرتك، والتي تجدها تمثل انتقالات على مستوى نتاجك الفني؟

 الحياة محطات نمر بها جميعاً، أي إن الوصول والمغادرة أمر حتمي في كل محطة، ولكن الإشكالية المهمة تكمن في موعد وصول ومغادرة كل محطة، وزمن المكوث في كل منها، مع مقدار ما تستزيد به من زاد المعرفة في كل محطة، ولا أقول هنا أن ذلك أمراً مسلماً به، فرغم إرادة الإنسان العظيمة إلا أن هناك ما يضطرك إلى مغادرة محطات أو الوصول إليها قبل أوانها، وهو في الحقيقة نتاج وعي ومعرفة وإدراك أهمية الوصول والمغادرة، والعبرة الحقيقية هي الوصول إلى آخر المحطات في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، فالتنقل من حالة إلى أخرى على مستوى الإبداع حالة تقتضيها العملية الفنية وقد مر بها العديد من المبدعين، وتعني في الوقت ذاته خطوات إضافية على مستوى التجريب والخبرة والاكتشاف، فالانتقال من الخط العربي إلى التصميم ثم إلى الرسم ثم إلى النحت، وانجاز الأعمال الفنية يتخللها العطاء الفكري والأكاديمي المستمر، وحضور المؤتمرات، والدورات، وعضوية اللجان الدولية، وقيادة وإدارة المؤسسات الفنية والأكاديمية، تفتح أمام الإنسان الكثير من النوافذ، وتمد له العديد من الجسور التي تجعله في دينامية متجددة، وتواصل مستمر مع كل نواحي الفكر والمعرفة، والتجربة الإنسانية مهمة إلى أبعد الحدود، وتستحق أن يعيشها الإنسان بكل تفاصيلها.

من منحوتات أياد الحسيني

  هناك فنانون تشكيليون اعتمدوا الخط في لوحاتهم، هل يمكن تصنيفهم كخطاطين، ولماذا؟

التجارب الحروفية جديدة قديمة في شرق العالم وغربه، وتتعدد استخدامات الحروف باختلاف الثقافات والاتجاهات والاجتهادات، وقد كتبت بحثاً مطولاً عن الحروفية، يمكن الحصول عليه من على شبكة الويب، تم تصنيف كافة التجارب والبحث فيها كتجارب مستقلة، أما عن علاقة هذه التجارب بالخط العربي فمختلفة لأن للخط العربي منطق جمالي خاص، يستمد قيمه من فلسفة الفن الإسلامي، وبالتالي فإن الوعي تجاه القيم الجمالية في الفن الإسلامي أمر ضروري لتجنب العلاقات المتناقضة خلال الجمع بين الخط العربي والفنون والتقنيات الحديثة، وعلى العموم فإن الفن تجربة شخصية إلى حد بعيد تتجسد بدرجة الوعي تجاه الإشكالية القائمة بين الإنسان والحياة، والقدرة على فهم هذه الإشكالية يحدد مدى عمق التجربة الفنية وقدرتها على البقاء والتأثير والانتشار.

أي أن اللوحة الفنية المعاصرة ومنها الحروفية لم تعد تقنية أو مهارة أو حرفة مع أهمية هذه العناصر جميعاً، وإنما أصبحت في هذا الزمن ذات أبعاد فكرية وتأويلية بفعل المناهج النقدية الحديثة، وبما يدعى بالمفاهيمية، وعموماً لم تعد اللوحة الفنية إجمالاً تؤدي ذات الدور القديم لتزهو بمفرداتها، بل أصبحت الآن عاجزة إلى حد كبير أن تؤدي دورها الجمالي والحضاري في خضم المتغيرات الهائلة على المستوى التكنولوجي والسمعي والبصري والنفعي والاستهلاكي والتداولي والاستخدامي، ورغم اعتيادنا على تغيير فلسفة الفن وأهدافه عبر العصور، إلا أننا نشهد متغيرات هائلة في الدور الذي تؤديه اللوحة في هذه الأيام، بما جعلني اكتب في ذلك بحثا عن (موت اللوحة وهجرة الجمال).

في الغربة أي فنونك تجدها تمتد بك إلى الوطن؟

 اغتراب في غربة وغربة في اغتراب... تلك هي خلاصة حياة المثقف والمبدع والمفكر الحقيقي في هذا الزمن المضطرب والمدمر، حتى قبل أن يغترب عن وطنه، وغالباً ما تصطدم الصورة المثالية على مستوى الإبداع والفكر بمرارة الواقع وسفاسفه، ولهذا لم يكن المثقف على وفاق مع الواقع المرير رغم محاولاته الكثيرة على التغيير خاصة في البيئات التي تسعى إلى تهميشه أو تقزيمه، ومثل جائزة "الشيخ زايد" للكتاب وجوائز عالمية أخرى تعيد للمثقف دوره في الحياة والبناء والإنتاج، وترسخ الكثير من القيم السليمة، وتعلن جلياً وبقوة عن البون الكبير بين الهمجية والحضارة، وأن لا سبيل لبناء الحياة إلا بالقيم النبيلة التي ترتقي بالإنسان والأوطان والمجتمعات، ووطن يسحق ويهمش فيه العلماء والمفكرون والمثقفون والمبدعون، يضعك في حالة غيبوبة في أي وسائلك التي تمتلك... تستطيع أن تمتد بها إليه؟

  أي شعور يراودك حين الانتهاء من لوحة ما؟

 ما يميز أعمالي الفنية، وحسب كتابات النقاد أنها تجريبية تبحث بصورة مستمرة عن لغة بصرية جديدة للتعبير فهي لا تركن إلى اتجاه أو أسلوب إلا منهج التجريب/ وهو في الحقيقة ديدن التجربة الفنية الإبداعية التي تتقصى البحث والاكتشاف، رغم ما تحمله من مغامرة قد تذهب بالفنان بعيداً، ولهذا السبب فان تجربة اللوحة تستنفذ كل طاقاتها لتنتهي بعد انجازها مباشرة بما يخصني كفنان، حيث لم تعد بعد انجازها إلا تاريخ تحجبه تجربة لاحقة ذات إشكاليات مختلفة.

وهو ما يتضح على سمات كل تجربة من تجاربي التي ابتدأت منذ نهاية السبعينات وامتدت إلى يومنا هذا وكانت تتنقل أحياناً من البعدين إلى الثلاثة أبعاد، وأحياناً تجرب استخدام مواد وخامات مختلفة من أجل تحميل الخامة الجديدة طاقة تعبيرية جديدة.

ولعلي أمر بمرحلة أشعر معها بأفول اللوحة الفنية، وتضاؤل دورها في الحياة، وهجرة الجمال إلى منتجات الحياة التداولية والنفعية والاستخدامية المختلفة، فجرعة الجمال التي كنا نحصل عليها من اللوحة الفنية أو المنحوتة، أصبحنا نستمدها من خلال كل ما نتواصل معه في الحياة اليومية كالمركبة والأدوات والأجهزة و"الموبايل"، بفعل عمليات الصناعة والإنتاج والتكنولوجيا المتقدمة والتي لم يعد معها مساحة كافية للحظات التأمل.

وكأحد أبناء جيل يتعلق بلحظات الألق الشاعري، فإني أعالج هذه الإشكالية الآن في أعمال فنية جديدة، تشكل خلاصة تجارب متعددة تبحث في إشكالية تغير نمط التفكير لدى الفنان من نمط التفكير التناظري إلى نمط التفكير الرقمي من خلال استخدام أدوات العصر، وبرامجه التطبيقية في تلك المعالجات ولعلها تتجه صوب تجربة جديدة لمعرض قادم.

  ما مشاريعك المستقبلية؟

المشاريع البحثية مستمرة، وهي تحمل متعة لا حدود لها في سبر أغوار المعرفة، وتقصي الحقائق، وهي جزء من عملي كأستاذ وعميد في الكلية العلمية للتصميم، ولعل أبرزها هو إنجاز نظرية الجمال في الإسلام التي شابها الكثير من الآراء والرؤى المختلفة التي تتراوح بين الجوانب الفقهية والعقيدية والفلسفية والمنطقية والفنية، وبالتالي فدراسة كهذه تتناول فكرة الفن الإسلامي بشمولية انسايكلوبيدية ابستمولوجية، وليست متحفية أو تأريخية، فتعيد تأويل وقراءة الفن الإسلامي على أساس انثربولوجي وسيسيولوجي من أجل الكشف عن مناطق جديدة، وإلقاء المزيد من الضوء على بنية هذا الفن، ولدي العديد من المشاريع البحثية التي تنتظر وقتاً وجهداً استثنائياً، ومن المؤسف أن يبقى الباحث والمفكر والعالم في عالمنا العربي وحيداً عصامي النزعة في عملية إنتاجه الفكري، في الوقت الذي يتطلب أن تتبنى مراكز خاصة للبحوث تمويل بحوث علمية منتقاة، كما هو الحال في الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في مجال البحث العلمي حتى أصبحت منتجة للفكر، بينما بقيت مجتمعاتنا مستهلكة لفكر الآخر حتى نسيت ثقافتها، وعلى كل حال اعتدنا في العوالم المتخلفة بأن يكون أعداء البحث العلمي أكثر من أحبائه

 
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ: هبـــة ســـتوديو::.