* بداية هل يمكن أن تذكر لنا تجربتك في تحويل الخط
من مجرد حروف تعبر عن الكلمات إلى خطوط تكون لوحة
فنية معبرة؟
في العراق
كنت احلم أن أكون فناناً تشكيلياً، بينما ظروفي الاقتصادية كانت تجبرني على
العمل كخطاط يستجيب لطلبات الآخرين. وفي عام (1969) سافرت إلى باريس، ونجحت في
امتحان الدخول للمدرسة العليا للفنون الجميلة (البوزار) فكنت أشعر في البداية
بأن حلمي قد تحقق، ولم تمض إلا شهور قليلة حتى بدأت اسمع من الطلبة بأن ما جئت
أبحث عنه إنما يرفضونه هم، فكانوا يعيشون زمن تمرد وثورة على قيم الفن السائد.
يرفضون تقاليد الفن التشكيلي، ويمزقون اللوحات القديمة في المدرسة، والتي كانت
تزين القاعات منذ قرون عديدة.
وهكذا شعرت
بضرورة البحث عن طريق آخر...
تأكيد الذات
عبر الفن يبدأ بألم ومخاض، كنت أسلك طرقاً تنتهي دائماً بتياه وضياع، إلى أن
سمعت المثل الإفريقي الذي كان يخاطبني من بعيد: " إن لم تكن تعرف أين تذهب تذكر
من أين أتيت".
فقررت أن أعود
للخط في محاولة لجذبه نحو الفن الحديث، واستخدامه بشكل يقترب من الفن التجريدي،
بدأت بعمل تكوينات أساسها الحرف العربي، ولكن دون معنى، ولا يمكن قراءة
الكلمات.
وبعد بضعة
سنوات اكتشفت أن هذا الطريق يبقى فقيراً، ولم أتوصل من خلاله إلى نتائج مقنعة،
فبدأت أضيف المعاني للحروف والكلمات، ولكن خطوطي كانت في ذلك الوقت تشابه
دائماً الخط القديم وتقترب منه كثيراً، ولم تتجاوزه ولم تقدم الجديد المقنع من
الجوانب التشكيلية.
وعند التمعن
جيداً في الخطوط القديمة، وجدت أن التكوينات الماضية كانت تكسر العبارة وتعيد
بنائها حسب رغبة الخطاط الشخصية. ودائماً كان الخطاط يضحي بالمعنى وإمكانية
القراءة، لصالح الجوانب الجمالية.
وهكذا قلت في
نفسي يجب أن ابني تكوينات جديدة على أنقاض الخط القديم، ولكن بإضافات تشكيلية
جديدة. وبعد سنين من العمل المتواصل وبمساعدة ظروف كثيرة، توصلت إلى خطوط
حديثة، أريد لها أن تكون الاستمرارية المعاصرة لمسيرة الخط العربي.
رجعت كذلك إلى
الورق والحبر بدل الزيت والقماش، فالألوان المائية هي سمة الفنون الشرقية.
وتخلصت من الشكل التشخيصي نحو التجريد الذي هو من تقاليد الفن الإسلامي
وخصوصاً في ديكور المدينة ومعالمها.
كانت أعمالي
الفنية في ذلك الوقت تتم على شكل مجموعات، وأول هذه المجموعات كانت خطوط
مستلهمة من مناظر الصحراء. فأنا فأنني ولدت في مدينة النجف المحاطة بالصحراء.
وأردت في هذه الخطوط اكتشاف أول الصور التي دخلت قلبي منذ الصغر.
حروف وكلمات
تتكرر من الصغر إلى الكبر، من خط الأفق إلى عين المشاهد، وفي الوسط تكوين يصعد
نحو الأعلى كشجرة ذات أغصان سوداء، كتمثال كبير يخضع لبناء هندسي،هندسية بدائية
ودون قياسات وحساب.
الكثير من
الصدف ساعدتني على الاستمرار في هذا الطريق، منها ممارسة الخط أمام الجمهور منذ
عام (1972)، وتعرفي على تيارات الفن التجريدي، واللقاءات الكثيرة مع خطاطين من
الصين واليابان.
كل خط كنت
أعمله كان يفتح لي الطريق لخطوط أخرى، ومنذ ثلاثين عاماً أواصل البحث الفني في
الخط وممارسة التعبير عبر الحروف، دون أن أنسى التمعن والتأمل في تركة الخطاطين
القدماء.
* رغم دراستك للفن التشكيلي في باريس إلا انك ظللت على تمسك بالخط العربي
للتعبير عن وجدانك. فما السبب وراء ذلك؟
العراق أعطاني
الرغبة في التعرف على الفن الغربي وعمل لوحات تشابه هذا الفن، بينما فرنسا
أعادت لي الثقة في الخط العربي، والذي كنت أمارسه منذ الطفولة. كل هذا يتم
بدافع اللاوعي أحياناًً. إنه رغبة لتوازن داخلي؛ إذ أشعر وكأنه ينقصني شيء ما،
كما لو كنت أشعر بالعطش، فأتجه لشرب الماء. وهكذا تركت الخط مرة نحو الصورة، ثم
تركت الصورة نحو الخط. وأخيراً امتزج هذا بذاك.
إن ما شجعني
بالاستمرار على الخط في أوربا، هو ما يقال الآن حول "العولمة" وضرورة الحفاظ
على نكهة محلية للفنون، وضرورة حماية الفنون المحلية إزاء هيمنة فنون العالم
الصناعي المتقدم مادياً، فالخط يمتلك هو الآخر قيماً جمالية تجيب لمتطلبات
الإنسان في زمننا الحالي.
وإزاء
الانتشار المذهل للصور الفوتوغرافية والالكترونية والتلفزيون، ينتظر الكل من
الفنانين تقديم شيء آخر. وهكذا أعتقد أن دفع الخط نحو الإبداع يجعله أحد منابع
الفن لمجتمعاتنا، لأنه تجريدي وبنفس الوقت يحمل بداخله شيئاً آخر من عالم
الصور. فالكتابة هي بنت الرسم، وأول الكتابات كانت رسوم، كما نرى ذلك على جدران
معالم مصر القديمة، ثم ولدت الألف باء وما هي إلا رسوم للصوت. اختصرت إلى (29)
رسماً للحروف العربية.
هناك علاقة
مابين الرسم والكتابة، ولكن رسم الكتابة يتطلب من القارئ أو المشاهد أن يساهم
بالتخيّل لما هو مكتوب، وأخيراًً التوصل إلى معنى يشارك فيه هو نفسه.
* تجربة الأداء أمام الجمهور قد تبدو غريبة بعض الشيء؛ خاصة أن الفنان يفضل
الإبداع في جو من العزلة والانفراد، فهل يمكن أن تحكي لنا عن هذه التجربة، وما
تشعر به أثناء أدائها سواء منفرداً أو عندما يصاحبك شخصيات أدبية أخرى؟
عام (1972)
عرض علي الممثل الفرنسي (كي جاكه) المساهمة معه في حفلات يكون دوري فيها الخط
أمام الجمهور على جهاز عاكس للخط لحظة ولادته على شاشة كبيرة، وكان هو يقرأ
الشعر بالعربية والفرنسية.
في أول أمسية
بدار الثقافة في (شالون) عام (1972)، كدت أموت من الخوف وأنا أخط أمام الجمهور
... صالة مليئة بالجمهور، وكل خطأ في قواعد الخط بسبب السرعة غير المتعودة، أو
بسبب الاضطراب النفسي الذي أعيشه كان يجعلني أرتجف وأتجمد.
ولكن في آخر
الحفلة صفق لنا الجمهور طويلاً، وبقي في الصالة مطالباً أن استمر بالخط،
فأدركت أخيراً أن ما قمت به كان شيئاًً ايجابياً ... ومع مرور السنين أقمنا
مئات الحفلات واللقاءات، وانضم إلينا الموسيقي والمغني "فوزي العائدي:.
وحتى الآن أخط
باستمرار أمام الجمهور، وأشارك مع فرق رقص ومغنين وموسيقيين وشعراء، وأصبحت لدي
تجربة واسعة مع المسارح وأماكن الثقافة. وأصبحنا نستخدم احدث الوسائل
الالكترونية لتصوير الخط الذي أخطه، وإرساله بلحظة الخط على الشاشات الكبيرة.
إن تجارب كهذه
تجعلني ارجع إلى مرسمي وأنا مليء بالأحاسيس الجديدة والتخيلات الواسعة، فإن
الإثارة التي أعيشها أمام الجمهور أثناء الخط، تكون كمولد جديد لخطوط جديدة كل
مرة.
في كل لقاء
كهذا أشعر بضرورة التحضير الواسع، والتمرين المستمر، كما لو كنت أحفظ على ظهر
قلب كل أشكال الخطوط. وبعد ذلك فإن الصالة والجمهور يقرران كل شيء، وتبدأ عملية
غامضة في كل مرة تختلف عن الأخرى. لذلك إن تكرار
هذه التجارب لا يعني أبداًً السيطرة عليها، إنما العمل الفني يتطلب أن نبدأ كل
مرة من نقطة الصفر...