مقابلات شخصية

مقابلة لمجلة "البيت"  المصرية مع ...

  الفنان والخطاط حسن المسعود ...

الأستاذ حسن المسعود

* بداية هل يمكن أن تذكر لنا تجربتك في تحويل الخط من مجرد حروف تعبر عن الكلمات إلى خطوط تكون لوحة فنية معبرة؟

 في العراق كنت احلم أن أكون فناناً تشكيلياً، بينما ظروفي الاقتصادية كانت تجبرني على العمل كخطاط يستجيب لطلبات الآخرين. وفي عام (1969) سافرت إلى باريس، ونجحت في امتحان الدخول للمدرسة العليا للفنون الجميلة (البوزار) فكنت أشعر في البداية بأن حلمي قد تحقق، ولم تمض إلا شهور قليلة حتى بدأت اسمع من الطلبة بأن ما جئت أبحث عنه إنما يرفضونه هم، فكانوا يعيشون زمن تمرد وثورة على قيم الفن السائد. يرفضون تقاليد الفن التشكيلي، ويمزقون اللوحات القديمة في المدرسة، والتي كانت تزين القاعات منذ قرون عديدة.

وهكذا شعرت بضرورة البحث عن طريق آخر...

 تأكيد الذات عبر الفن يبدأ بألم ومخاض، كنت أسلك طرقاً تنتهي دائماً بتياه وضياع، إلى أن سمعت المثل الإفريقي الذي كان يخاطبني من بعيد: " إن لم تكن تعرف أين تذهب تذكر من أين أتيت".

فقررت أن أعود للخط في محاولة لجذبه نحو الفن الحديث، واستخدامه بشكل يقترب من الفن التجريدي، بدأت بعمل تكوينات أساسها الحرف العربي، ولكن دون معنى، ولا يمكن قراءة الكلمات.

وبعد بضعة سنوات اكتشفت أن هذا الطريق يبقى فقيراً، ولم أتوصل من خلاله إلى نتائج مقنعة، فبدأت أضيف المعاني للحروف والكلمات، ولكن خطوطي كانت في ذلك الوقت تشابه دائماً الخط القديم وتقترب منه كثيراً، ولم تتجاوزه ولم تقدم الجديد المقنع من الجوانب التشكيلية.

وعند التمعن جيداً في الخطوط القديمة، وجدت أن التكوينات الماضية كانت تكسر العبارة وتعيد بنائها حسب رغبة الخطاط الشخصية. ودائماً كان الخطاط يضحي بالمعنى وإمكانية القراءة، لصالح الجوانب الجمالية.

 وهكذا قلت في نفسي يجب أن ابني تكوينات جديدة على أنقاض الخط القديم، ولكن بإضافات تشكيلية جديدة. وبعد سنين من العمل المتواصل وبمساعدة ظروف كثيرة، توصلت إلى خطوط حديثة، أريد لها أن تكون الاستمرارية المعاصرة لمسيرة الخط العربي.

رجعت كذلك إلى الورق والحبر بدل الزيت والقماش، فالألوان المائية هي سمة الفنون الشرقية. وتخلصت من الشكل التشخيصي نحو التجريد الذي هو من تقاليد الفن الإسلامي وخصوصاً في ديكور المدينة ومعالمها.

كانت أعمالي الفنية في ذلك الوقت تتم على شكل مجموعات، وأول هذه المجموعات كانت خطوط مستلهمة من مناظر الصحراء. فأنا فأنني ولدت في مدينة النجف المحاطة بالصحراء. وأردت في هذه الخطوط اكتشاف أول الصور التي دخلت قلبي منذ الصغر.

حروف وكلمات تتكرر من الصغر إلى الكبر، من خط الأفق إلى عين المشاهد، وفي الوسط تكوين يصعد نحو الأعلى كشجرة ذات أغصان سوداء، كتمثال كبير يخضع لبناء هندسي،هندسية بدائية ودون قياسات وحساب.

الكثير من الصدف ساعدتني على الاستمرار في هذا الطريق، منها ممارسة الخط أمام الجمهور منذ عام (1972)، وتعرفي على تيارات الفن التجريدي، واللقاءات الكثيرة مع خطاطين من الصين واليابان.

كل خط كنت أعمله كان يفتح لي الطريق لخطوط أخرى، ومنذ ثلاثين عاماً أواصل البحث الفني في الخط وممارسة التعبير عبر الحروف، دون أن أنسى التمعن والتأمل في تركة الخطاطين القدماء.

* رغم دراستك للفن التشكيلي في باريس إلا انك ظللت على تمسك بالخط العربي للتعبير عن وجدانك. فما السبب وراء ذلك؟

العراق أعطاني الرغبة في التعرف على الفن الغربي وعمل لوحات تشابه هذا الفن، بينما فرنسا أعادت لي الثقة في الخط العربي، والذي كنت أمارسه منذ الطفولة. كل هذا يتم بدافع اللاوعي أحياناًً. إنه رغبة لتوازن داخلي؛ إذ أشعر وكأنه ينقصني شيء ما، كما لو كنت أشعر بالعطش، فأتجه لشرب الماء. وهكذا تركت الخط مرة نحو الصورة، ثم تركت الصورة نحو الخط. وأخيراً امتزج هذا بذاك.

 إن ما شجعني بالاستمرار على الخط في أوربا، هو ما يقال الآن حول "العولمة" وضرورة الحفاظ على نكهة محلية للفنون، وضرورة حماية الفنون المحلية إزاء هيمنة فنون العالم الصناعي المتقدم مادياً، فالخط يمتلك هو الآخر قيماً جمالية تجيب لمتطلبات الإنسان في زمننا الحالي.

وإزاء الانتشار المذهل للصور الفوتوغرافية والالكترونية والتلفزيون، ينتظر الكل من الفنانين تقديم شيء آخر. وهكذا أعتقد أن دفع الخط نحو الإبداع يجعله أحد منابع الفن لمجتمعاتنا، لأنه تجريدي وبنفس الوقت يحمل بداخله شيئاً آخر من عالم الصور. فالكتابة هي بنت الرسم، وأول الكتابات كانت رسوم، كما نرى ذلك على جدران معالم مصر القديمة، ثم ولدت الألف باء وما هي إلا رسوم للصوت. اختصرت إلى (29) رسماً للحروف العربية.

هناك علاقة مابين الرسم والكتابة، ولكن رسم الكتابة يتطلب من القارئ أو المشاهد أن يساهم بالتخيّل لما هو مكتوب، وأخيراًً التوصل إلى معنى يشارك فيه هو نفسه.

* تجربة الأداء أمام الجمهور قد تبدو غريبة بعض الشيء؛ خاصة أن الفنان يفضل الإبداع في جو من العزلة والانفراد، فهل يمكن أن تحكي لنا عن هذه التجربة، وما تشعر به أثناء أدائها سواء منفرداً أو عندما يصاحبك شخصيات أدبية أخرى؟

 عام (1972) عرض علي الممثل الفرنسي (كي جاكه) المساهمة معه في حفلات يكون دوري فيها الخط أمام الجمهور على جهاز عاكس للخط لحظة ولادته على شاشة كبيرة، وكان هو يقرأ الشعر بالعربية والفرنسية.

في أول أمسية بدار الثقافة في (شالون) عام (1972)، كدت أموت من الخوف وأنا أخط أمام الجمهور ... صالة مليئة بالجمهور، وكل خطأ في قواعد الخط بسبب السرعة غير المتعودة، أو بسبب الاضطراب النفسي الذي أعيشه كان يجعلني أرتجف وأتجمد.

ولكن في آخر الحفلة صفق لنا الجمهور طويلاً، وبقي في الصالة مطالباً أن استمر بالخط، فأدركت أخيراً أن  ما قمت به كان شيئاًً ايجابياً ... ومع مرور السنين أقمنا مئات الحفلات واللقاءات، وانضم إلينا الموسيقي والمغني "فوزي العائدي:.

وحتى الآن أخط باستمرار أمام الجمهور، وأشارك مع فرق رقص ومغنين وموسيقيين وشعراء، وأصبحت لدي تجربة واسعة مع المسارح وأماكن الثقافة. وأصبحنا نستخدم احدث الوسائل الالكترونية لتصوير الخط الذي أخطه، وإرساله بلحظة الخط على الشاشات الكبيرة.

إن تجارب كهذه تجعلني ارجع إلى مرسمي وأنا مليء بالأحاسيس الجديدة والتخيلات الواسعة، فإن الإثارة التي أعيشها أمام الجمهور أثناء الخط، تكون كمولد جديد لخطوط جديدة كل مرة.

في كل لقاء كهذا أشعر بضرورة التحضير الواسع، والتمرين المستمر، كما لو كنت أحفظ على ظهر قلب كل أشكال الخطوط. وبعد ذلك فإن الصالة والجمهور يقرران كل شيء، وتبدأ عملية غامضة في كل مرة تختلف عن الأخرى. لذلك إن تكرار هذه التجارب لا يعني أبداًً السيطرة عليها، إنما العمل الفني يتطلب أن نبدأ كل مرة من نقطة الصفر...

 * ما هو دور الألوان في لوحاتك وكيف تحولت من الرسم باللون الواحد إلى التعدد اللوني؟

في السنين الأولى من دراستي في (البوزار) استعملت الألوان كثيراً. كنت اُبذر الألوان في العدد والكمية، ولكن استعمالي الخط في عملي الفني فرض عليّ في البداية استعمال اللون الأسود لمدة سنوات. وتدريجياً شعرت بحاجتي إلى ألوان أخرى، فدخل في خطوطي لون جديد في كل سنة. ومع مرور الزمن كثرت هذه الألوان. يفرض اللون وجوده أحياناً،ً فعندما أخط عبارة لـ "ابن منقذ": "أنظر إلى حسن صبر الشمع يظهر للرائين نوراً وفيه النار تستعر"، فإن اللون الأحمر سوف يفرض نفسه. ولكن لو أخط عبارة" الأعز بن قلاقس": " الماء يكسب ما جرى طيباً ويخبث ما استقرا. فإن لوناً أزرقاً سأراه في مخيلتي.

  * هل مازلت تحرص على تحضير الألوان بنفسك من الألوان الطبيعية، وكيف تقوم بذلك، وما هو اللون المفضل لديك والذي يعبر عن شخصيتك؟

الألوان التي تباع حالياً لا تصلح للطريقة التي أخط بها. فإنني استعمل أدوات صلبة كالخشب والكرتون السميك، وتتطلب هذه الأدوات ألواناً فيها مرونة وسيولة. كذلك أريد لألواني أن توحي بالنور، أي تكون كالزجاج الملون.

أحضر الألوان بنفسي انطلاقاً من المساحيق الملونة، وحسب وصفات قديمة أجدها في بعض الكتب التي تتكلم عن الخط. إنها عملية تشابه عملية طبخ الأكل، ومع الزمن تتحسن وتتطور المعرفة فيها.

أما اللون المفضل لديّ فكلها لدي مفضلة عندما تأتي بوقتها وتأخذ مكانها.

* لإرضاء الجمهور أو العميل قد يضطر الفنان إلى القيام بأعمال فنية مضطراً، فهل أنت من هذا النوع، أم الإبداع لديك مرتبط بالحالة الوجدانية ودرجة التفاعل، حدثنا عن هذا الأمر باستفاضة؟

  كنت خطاطاً في بغداد قبل أربعين عاماً، وألبي طلبات الآخرين، وكذلك في السنوات الأولى من وجودي بباريس. وتدريجياً استطعت توجيه كل طاقاتي نحو البحث الفني، فأصبح العمل الفني عندي مرتبطاً بالحالة الوجدانية. فعندما يكون العالم بخير ترقص خطوطي على الورق، ولكن عندما اسمع أخبار العالم المأساوية، تتضامن حروفي في تكوين متحد كمسلة قديمة عالية، تقاوم الألم وتتحداه.

وهكذا وبسبب ضرورة التركيز والتأمل بهدوء قبل الخط، أشعر بأني أكاد أن أكون أنا الخط، فتأتي الخطوط كصورة لما هو في قلبي من أحاسيس. وأحياناً أرى أن ما أعمله يزيدني معرفة بنفسي.

عندما تبهرني حركات رقص تأخذ خطوطي بالرقص، تصعد وتغامر بالطيران، تتحدى قوانين الجاذبية الأرضية. وإذا أردت أن أخط عبارة تتكلم عن الرياح والهواء، فإن حروف التكوين الذي سأعمله ستكون هاربة داخل شكل حلزوني.

وهكذا يختلط الشكل بالمعنى، وتتولد أشكالاً جديدة للحروف، وتوحي الخطوط بصور؛ ولكن أي صور؟ فإنها ليست الصور الطبيعية وإنما صور تمثل جوهر الأشياء، وتطلب من المشاهد تحسس وتفسير ما يراه، وتشركه في العملية الفنية.

 * من خلال ما قرأته كيف يمكن للأداة التأثير على أعمال الفنان، وما هي الأدوات التي تستخدمها، وكيف تتأثر الأعمال بقدرة الفنان على حبس أنفاسه، هل يمكن أن تلخص لنا تجربتك في هذا الشأن؟

 في مجال الفن التشكيلي تكون المادة المرئية من أهم الأشياء التي يرتكز عليها هذا الفن، مادة الألوان وكذلك الآثار التي تتركها الأدوات على العمل الفني. لذلك أبحث دائماً عن مظهر جديد للحروف التي أخطها، فأن نخط كلمة بواسطة فرشاة، فإنها لا تشابه خطها بأداة صلبة كالخشب.

كل شيء يمتص الحبر أحاول أن أجرب الخط فيه، ولكني أحرص أن يكون للحروف علاقة بطريقة الخط العربي؛ أي أفكر دائماً بأن لا أبتعد كثيراً عن مظهر الحروف القديمة، فإن هدفي الأول هو عمل خطوط تعطي الانطباع بأنها تطوير لكل ما هو معروف عن الخط العربي، لذلك لا أريد قطع الجذور مع خط الماضي.

فمظهر الخط العربي الذي يخط بالقصبة لا يشابه مظهر الخط الصيني الذي يخط بالفرشاة، وهذه الفوارق الصغيرة لها أهميتها في الفن.

الخط العربي القديم يخط دائماً ببطء، لذلك يتطلب باستمرار إدراك العلاقة ما بين كل حركة خطية، وبين مقدرة الخطاط على حبس التنفس في وقت الخط. آنذاك لن يصل الأوكسجين إلى الدماغ مما ينهكه، وكلما استطاع الخطاط أن يطيل مدة إيقاف التنفس دون إنهاك الدماغ، فإنه سيسيطر على مدات الحروف ويتقنها، فيعطيها التعبير المضبوط الذي تريده، وهذه الأشياء التي عرفها الخطاط القديم بالتجربة، تكون ضرورية لنا في السيطرة على الخط الحديث.

* ما هي مراحل التطور في أعمالك، وكيف أثرت نشأتك على تكوينك الفني، ولمن تدين بما وصلت إليه الآن من مكانة فنية؟

 لنبدأ منذ كنت في الخامسة من عمري، حيث رأيت خالي وهو يخط بالقلم والحبر الأسود، ثم تشجيع معلم المدرسة الابتدائية وأنا في العاشرة من عمري، والإشادة بخطي الواضح، مما جعلني أعي إمكانياتي في الكتابة. وفي المدرسة المتوسطة، أيضا كان دور المدرس كحجر أساس متين، فكنت بتشجيعه أنجز الكثير من الخطوط لأصبح وأنا شاب صغير أحد الخطاطين المعروفين في النجف.

وبرغبة التطور، رحلت إلى بغداد عام (1961) للعمل مع الخطاطين هناك، فعلموني خلال (8) سنوات كل ما أعرفه عن أساليب الخط.

ثم ابتداءً من عام (1969) كان لدراستي في (البوزار) بباريس الأثر الكبير لفهم العالم من خلال الفن، ومن خلال الممارسة للرسم، وتحضير اللوحات والألوان، وادراك ضرورة الفن للحياة.

واللقاء مع المسرحي الفرنسي (كي جاكة) والعمل معه لأكثر من عشر سنوات ساعدني في الخط بالمسارح والصالات الكبرى، فتحولت إلى خطاط وممثل بآن واحد، وكان لاهتمامه بالشعر العربي للحفلات التي كنا نقيمها الأثر في ثقتي في حدسي الذي كان يدفعني نحو هذا الشعر أيضاً. فالشعراء كانوا أحسن المصورين في المجتمعات الإسلامية في زمن غياب الصورة، صور الشعراء أيقظت مخيلتي دائماً عندما كنت في حاجة لذلك.

 أقف عند هذا الحد لأني أجد أنه من غير الممكن أن اذكر كل من أدين لهم، ففي كل يوم يعلمني أحداً شيئاً جديداً، وعندي رغبة بالتعلم في كل يوم، ومن خلال المتاحف والأفلام والمطبوعات نتعرف على كل فنون الأرض، ولكل الأزمان، لا مفر من ذلك، ولابد من أن اعرف شيء ما عن كل فن، ولكن من الضروري أن اعرف كل شيء عن الخط

 
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ: هبـــة ســـتوديو::.