س: هل تعتبرون نموذجكم الخطي المتماثل مدرسة
جديدة في الخط العربي؟
نحن
نفضل أن نصنف نموذجنا الخطي المتماثل على أنه طراز جديد لنمط حَرفي متعلق
بإنتاج أبناط الحاسوب أكثر منه تعلقاً بفن الخط العربي. فعبر قرون طويلة قدمت
العربية مدارساً خطية بارعة عديدة مرتبطة بشكل كامل بقابلية يد الخطاط وإبداعه.
إلا أننا اليوم، وبعد بروز الآلة والطوبوغرافيا، نعيش عهداً جديداً في التعامل
مع الكتابة أو عملية إظهار أشكال الحروف عموماً. فقد قامت الآلة بمساعدة
الإنسان بإنتاج أشكال الكتابة السائدة أولاً، ثم أصبح إنتاجها فيما بعد المثل
الجمالي أو القياسي الأعلى لها عوضاً عن إنتاج أيدي الخطاطين. إن طراز النمط
الحرفي المتماثل ليس دعوة لإلغاء الخط العربي التقليدي اليدوي أو المطبوع بقدر
ما هو خيار جديد مرتبط بالتأقلم أو التكيف مع مستجدات العصر. فمسببات ظهوره في
تقديرنا مشابهة نسبياً لمسببات ظهور مدارس الخط العربية القديمة. حيث كانت
تغيرات الكتابة العربية تأريخياً في الغالب استجابة لمتطلبات حياتية حقيقية
واجهها العرب أو غيرهم في ذلك الحين. وكنتيجة لهذا التأقلم التأريخي للكتابة،
كما نعلم، ليس من السهل على القارئ العادي اليوم قراءة كتاب عربي عمره ألف سنة.
س: ما هي الطوبوغرافيا برأيكم، وما هي علاقتها بفن الخط؟
الطوبوغرافيا
باختصار هي: فن أتمتة الخط.، فهي بذلك مرتبطة بمبدأي الأتمتة الأساسيين ألا
وهما: الإنتاج المكثف والهدف الاقتصادي من وراءه. فقبل ظهور الطباعة في أوروبا
في منتصف القرن السادس عشر، عمل الإنسان على إنتاج نسخ محدودة من الكتب على
أيدي الخطاطين. غير أن الحاجة إلى سرعة الإنتاج ووفرته دفعت الإنسان إلى
الاعتماد على الآلة. ومن خلال هذا الاعتماد عملت الآلة على تغيير أو تحوير
أشكال حروف معظم اللغات (ومن ضمنها العربية) ولكن بأشكال متفاوتة. ففي البداية
صممت الآلة لاستنساخ الخطوط اليدوية السائدة بكل تفاصيلها وقواعدها. إلا أن
الإنسان اكتشف بسرعة عقم هذا الأسلوب وعدم فاعليته. فقد استبدل الأوروبيون
الأوائل مثلاً الأنماط الحرفية اللاتينية المتضمنة لحروف متصلة أو مركبة
والمنحوتة على الخشب بأنماط حرفية منحوتة لحروف منفصلة كلياَ بعد اكتشاف
مزاياها الإنتاجية الفائقة. بدون شك أن الطوبوغرافيا مرتبطة لحد ما بفن الخط.
إلا أنها مجال علمي و فني مستقل. فالمصمم الطوبوغرافي غالباً ما يبدأ بفن الخط
قبل العمل على إنتاج أبناطه على الآلة. فرغم انه لا يحتاج بالضرورة امتلاك يد
الخطاط البارعة، إلا إن عليه إن يمتلك بالضرورة عين ثاقبة في تقييم جمالية
وتطبيقية أشكال الحروف.
س: ما هو
تقييمكم للطوبوغرافيا العربية اليوم؟
نحن نفضل
الحديث عن طوبوغرافيا العربية "الشاملة" أو ما أسميناه في اللاتينية
"عَرَبَتِكْ" بدلاً من الطوبوغرافيا العربية، رغم وجود الأخيرة المستقل. ونعني
بالعربية الشاملة مجموعة أنظمة الكتابة أو الخطوط العربية ومشتقاتها المستخدمة
اليوم من قبل الملايين من الشعوب العربية وغير العربية أيضاً. فالكتابة العربية
كما نعلم اليوم كتابة عالمية وأشكال الحروف العربية ليست حكراً على العرب. ومن
خلال عملنا التقينا بالعديد من غير العرب أو المستشرقين ممن يعشق ويتقن العربية
وخطوطها كما نتقنها أو نعشقها نحن. كما أن المكتبات في الولايات المتحدة
وأوروبا مثلاً تقتني ملايين الكتب العربية والفارسية وغيرها سنوياً. وتباع في
محلاتها برامج وكتب تعلم العربية بكثرة.
نعود لسؤالكم
الآن. رغم أن مجال طوبوغرافيا العربية قديم كقدم مجال الطوبوغرافيا إلا انه شهد
تطوراً مشوهاً وغير طبيعي أو تلقائي مقارنة بطوبوغرافيا اللاتينية أو غيرها.
ويعود سبب ذلك في رأينا إلى أن القوى الفاعلة في تطويره كانت إما: من
الطوبوغرافيين المستعربين ممن لايملك غالباً نظرة أصيلة وواثقة لأشكال الحرف
العربي، أو من القوى المحلية المرتبطة بها ممن لم يتقن تفاصيل مجال
الطوبوغرافيا الفنية أو التقنية وأهدافها. وكلاهما متعصب غالباً لقواعد فن الخط
القديمة لأغراض وأسباب متباينة عموماً. فقد وضعت القوى المهيمنة جمالية فن الخط
في المقام الأول على حساب القيم التطبيقية للحرف العربي ومستقبله. إننا لا نريد
أن يكون الحرف العربي صورة فنية في متاحف الغرب وإنما حرفاً ريادياً يساهم
بفعالية في عالم العطاء الحضاري المتجدد مثلما كان كذلك تأريخياً.
س: كيف
توصلتم لطراز الخط المتماثل؟
منذ
أيام طفولتنا في بغداد وكربلاء كنا من المولعين بفن وقوة الخط العربي. وبعد
ظهور وانتشار الحاسوب، تحول ولعنا هذا إلى خوف مستمر على مســتقبل الخـــط العــربي
خاصــة بعـــد
ملاحظة توسع
الفجوة التكنولوجية بين خطوط العربية الشاملة من جهة،
والخطوط اللاتينية أو العالمية الأخرى من جهة ثانية. ومما ضاعف خوفنا أن العديد
لا يزال يعيش "العقدة الأتاتوركية" رغم مرور أكثر من 70 سنة عليها! ونحن نراقب
عن كثب المحاولات المعاصرة للبعض بالطعن بفاعلية الكتابة والحروف العربية.
في منتصف
التسعينيات أخذنا بدراسة العوائق التي تواجه متعلمي العربية في الغرب. ثم
استخلصنا لاحقاً أن هذه العوائق ليست عوائق جوهرية. وللتركيز على تبديد عقدة
الخوف الأولية التي تدفع متعلم الكتابة الجديد للاستسلام، بدأنا نتأمل ولسنوات
أشكال حروف العربية تأريخياً واستخداماتها المعاصرة. لقد تفحصنا هذه الأشكال
بشفافية وحياد كاملين، متحررين بذلك من جميع قيود الخط اليدوي المُبَرّرة
تأريخياً، ومن دون استباحة روح الأشكال الحرفية للعربية الشاملة أو صورها.
وعندما انتهينا من وضع التصاميم الأولية لأشكالنا الحرفية اندهشنا مرة أخرى
لمرونة وقوة الحرف العربي وسحره. فقد لاحظنا مثلاً أن الغالبية العظمى للأشكال
الحرفية هذه متماثل طبيعياَ!
س: كما نعلم
كانت هناك محاولات عديدة سبقت الخط المتماثل؟ كيف تقيمونها؟
عندما
قمنا بتصاميم طراز النمط الحرفي المتماثل لم نكن نعلم بوجود أية محاولات جادة
أخرى لأقلمة الخط العربي حتى قرأنا يوماً، وبمحض الصدفة، مقالة السيد مأمون
صقال على الشبكة العالمية عن المحاولات السابقة. وكان ذلك عام 2002. عندئذ
علمنا بوجود محاولات لتطوير الخط العربي منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وللإنصاف
نقول منذ نهايات القرن الثامن عشر حيث اطلعنا مؤخراً على محاولات لمهندس أمريكي
في نيويورك في العام 1897 لتبسيط الكتابة العربية. وقد زادت معرفتنا هذه من
عزمنا على مواصلة الطريق. وفي مقالين عن طراز النمط الحرفي المتماثل
وطوبوغرافيا العربية الشاملة عموما نشرا نهاية صيف 2004 وصيف 2006 في مجلة
أمريكية مختصة في مجال الطوبوغرافيا والأشكال الكتابية(1) أبرزنا بعض هذه
المحاولات المتميزة واستعرضنا مشاكل جهود إصلاح الخط السابقة. إننا نعتقد أن
العديد من المحاولات السابقة انتهك روح الحرف العربي و استقلاليته. إلا أننا
نعتقد أن أهم الأسباب العديدة لعدم نجاح المحاولات المتميزة السابقة يكمن في
تقديمها للمستخدم كبديل للخط العربي التقليدي، إما من قبل المصمم أو من قبل بعض
المختصين المعارضين لها ممن لا يفهم معنى وفوائد حرية الاختيار وتأثيرها الحاسم
في عملية التطور أو الارتقاء الطبيعي.
س: هل
يمكنكم توضيح أو وصف أسس أو قواعد طراز النمط الحرفي المتماثل؟
طراز النمط
الحرفي المتماثل كما أوضحنا سابقاً هو ليس مدرسة جديدة للخط بالمعنى التقليدي.
بل هو محاولة لتصميم أشكال الحروف العربية ومشتقاتها المضافة وفق أسس وقواعد حد
أدنى معينة وأكثر شمولية من القواعد التقليدية لمدارس الخط.، إنه دعوة لتصاميم
مفتوحة حرة يستطيع من خلالها المصمم أو المصممة خلق نماذج حرفية تعتمد على
القابلية الإبداعية الشخصية.
فالتصميم هو
شكل التطبيق الخاص للقواعد العامة. يمكننا تلخيص
قواعد النمط الحرفي المتماثل العديدة إلى أربع قواعد أساسية:
- أن يمتلك
الحرف شكل حرفي واحد يمكن استبداله في الكلمة اختيارياً وليس إجبارياً كما هو
عليه الآن.
- أن يحافظ
الشكل الحرفي على مظهره العام عند اتصال الأشكال الحرفية أو انفصالها المعتمد
على اختيار المصمم.
- وضع الحركات
في مواقع محددة، متساوية الأبعاد، وخارج حيز الحرف بما يضمن استقلالية الحرف
والحركة ووضوحهما.
- وأخيراً،
تحرير خطوط العربية الشاملة من إلزامية الاتجاه الواحد لترتيب الحروف عبر تصميم
حروف عربية ذات أشكال متوازية عموماً ومظهرياً.
هذه القواعد
ليست قواعد لنمط واحد بديل وإنما لنمط إضافي محدد. كما أنها ليست قواعد ملزمة
لكل حالة تصميمية. فمثلاً: نحن نصمم أبناطنا بحروف ذات أشكال موحدة أولاً،
ولكننا نضيف أشكالاً نهائية اختيارية لبعض الحروف كما في النمط المتماثل
التقليدي. أو نصمم حروفاً موحدة ومتوازية حول محورها العمودي في آن واحد، كما
في النمط المتماثل المطلق. إننا نريد باختصار أن تكون الخطوط التقليدية
ونماذجها الطوبوغرافية السائدة اليوم حالات تصميمية خاصة للخط، كما أصبح الشعر
العمودي اليوم حالة خاصة للشعر العربي.
س: لماذا
النمط الحرفي المتماثل الآن؛ خاصة في ظل وجود تكنولوجيا متطورة قادرة على إظهار
العربية التقليدية؟
رغم
إن التكنولوجيا الحديثة، وخاصة بعد ظهور قواعد الشفرة الموحدة والنمط الحرفي
المفتوح، قد نجحت في إظهار الأشكال الحرفية التقليدية المعقدة للعربية الشاملة
كومبيوترياً، إلا أنها عمقت أو رسخت الهوة التكنولوجية والاستخدامية لهذه
الخطوط في نفس الوقت. إن إظهار الأشكال الحرفية ليس كافياً. فمعالجة النصوص
وسهولة تعلم الخطوط ومواكبتها لأية تطورات تكنولوجية مفاجئة قادمة أكثر أهمية
من جمالية إظهار الأشكال الحرفية.
كما ذكرنا
سابقاً، إننا لا نتعامل مع الأشكال الحرفية للعربية الشاملة كصور جمالية فقط.
نحن نريد لها موقعاً تطبيقياً متقدماً في ظل التنافس السائد في عالمنا اليوم.
إننا لا نريد ان يكون الحرف العربي رهينة التطور التقني والإصدارات البرنامجية
القادمة. لا نريده عالة سلبية في طريق التكنولوجيا المتغيرة باستمرار وإنما
شريك كامل لها.
س: هل تعتقد
أن تصميماتكم الحرفية تتناقض مع القواعد العامة لتصميم الحروف العربية؟ وماذا
لو رفض المستخدم أو المنتج استعمال أنماطكم الحرفية غير التقليدية؟
هذا
سؤال جيد. إننا ننطلق في جهودنا في مجال طوبوغرافيا العربية الشاملة من مبدأ
حرية المستخدم والمصمم في الاختيار. ونكرر مرة أخرى: إن طراز النمط الحرفي
المتماثل لا يدعو إلى إلغاء أو استبدال الخطوط التقليدية وإنما لإغنائها. إننا
لا نتفق مع الطروحات المسبقة المتسرعة وغير المستندة لأية دراسات ميدانية
للعديد من المتنفذين في الشركات المنتجة للبرامج والأبناط العربية، وغالبيتهم
في الغرب، من ان المستخدم العربي أو الباكستاني أو غيره سيرفض الأنماط الحرفية
غير التقليدية.فمن خلال خبرتنا العملية ومتابعتنا لهذا المجال استنتجنا عكس
ذلك. كما أننا لا نتفق مع محاولات تحديد صلاحية أو عدم صلاحية التصاميم الحرفية
بناءً على ضوابط وأسس مسبقة مهما كانت هذه الأسس ومهما كانت كفاءات المبشرين
بها. فقواعد وأسس تصميم الحروف العربية في مدارس الخط السائدة ليست قواعد عامة
للتصميم أو قواعد أبدية؛ وإنما قواعد تخص حالات تصميمية بعينها. والحرف العربي
كجميع الحروف كائن حي ومتطور تحكمه قاعدة تصميمية واحدة: التطور والارتقاء، أو
التكيف للمتطلبات العملية. وبالمناسبة، أليس من المثير للاستفهام أن غالبية
الأصوات الغربية المعترضة على الأنماط غير التقليدية للعربية، لا تعترض بنفس
الحماس على الكميات الهائلة للأبناط اللاتينية غير التقليدية؟ إننا نعتقد أن
التصميم الحرفي عملية مرتبطة بالفن والإبداع، وعلينا كمصممين تقديم الخيارات
الخطية والطوبوغرافيا الجديدة وبشكل مفتوح وجاد. ففي عالم البرامج الحاسوبية
اليوم بدائل و خيارات واسعة يحدد المستخدم أولاً أسباب وجودها أو بقائها. وحتى
لو تم توظيف تصاميمنا من قبل 1% من المستخدمين فذلك استخدام مبرر ومعقول.
لذا، وعلى عكس
غالبية المحاولات السابقة التي بقيت على الورق، قمنا نحن بإنتاج وعرض أبناط
فعلية متنوعة للنمط الحرفي المتماثل في موقعنا على الشبكة العالمية (2) لخدمة
المستخدم والحرف العربي.
س: هل تعتقد أن تصاميمكم الحرفية متأثرة كلياً بتصاميم الحروف اللاتينية؟
كلا.
انفصال الحروف ليس حكراً على اللاتينية، كما أن اتصالها ليس حكراً على العربية،
فالكتابة اللاتينية ليست الكتابة الوحيدة أو الأولى بحروف منفصلة. وعملية
التكيف للطوبوغرافيا والتكنولوجيا، والتكيف عموماً، ليست حكراً على الحروف
الأوروبية. وبالمناسبة الحروف العربية كانت حروف منفصلة تأريحياً قبل تطورها
وتكيفها على الأغلب من الكتابة اليمنية القديمة المعروفة بخط المسند. كذلك، فان
حالة الحروف المركبة (لام أليف مثلاً) ليست حالة خاصة في العربية لوحدها.
فغالبية لغات أوروبا كتبت بحروف مركبة كالعربية قبل انتشار الحلول الطوبوغرافية.
فكما ان توظيف علوم الجبر والكيمياء العربية المنشأ اليوم ليس "تعريباً" فإن
توظيف الحلول الطوبوغرافية الغربية المنشأ للعربية ليست "تغريباً". وعلى سبيل
النقاش فقط، لو افترضنا أن حلولنا الطوبوغرافية متأثرة بحلول غربية سابقة،
لماذا لا يعترض المعترضون على مئات الحلول العملية الغربية المنشأ المستخدمة في
الشرق اليوم من ركوب العربات وحتى بناء ناطحات السحاب في دبي؟ لماذا الإصرار
على إبقاء الحروف العربية فقط بعيدة عن ركب التطور؟ لماذا الإصرار على التعامل
مع الحرف العربي على أنه صورة جمالية
أولاً حتى ولو كان ذلك على حساب مستقبله

_______________
(1) ”Visible
Language” issues 38.3 and 40.3
(2)
http://arabetics.com